إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 12 يونيو 2015


شهادة البكالوريا بين القيمة والثمن

شهادة البكالوريا بين القيمة والثمن

لا أحد باستطاعته أن ينكر، إلا جاحد أو مضمر لنية مبيتة، أن شهادة البكالوريا المؤشر عليها من قبل وزارة التعليم بالمغرب، كانت في السابق تحضى بقيمة تكاد تضاهي نظيراتها في الغرب، نظرا لما كانت تتمتع به شكلا ومضمونا، ونظرا للهالة التي كانت تسبق إجراء امتحاناتها، والحظوة التي كان ينالها من يظفر بها. لقد كان طلبة العقود الثلاثة التي أعقبت الاستقلال، يرون في هذه الشهادة حلما لا ينال إلا ببذل الغالي والنفيس، جهدا ومثابرة وليال بيضاء، حلم لا يظفرون به إلا وقد صارت علامات التعب والإرهاق بادية على سحناتهم وكأنهم قد خرجوا لتوهم من حرب. ولعل السبب في ذلك القيمة التي كانت تحظى بها هذه الشهادة في حينها، والآفاق التي كانت تفتحها. فما الذي تغير الآن؟

حقا لقد تغيرت أمور كثيرة؛ فلقد كثر حاملو الشهادات العليا، وازدادت أعدادهم، ومعها ازدادت بطالتهم وكثر تدمرهم وارتفع حنقهم بل واشتد ندمهم على الأوقات التي ضاعت منهم أو بالأحرى هم من أضاعوها في دراسة لا تغني ولا تسمن من جوع. كل هذا صحيح، ولكن ذلك لا ينبغي أن يخفي عنا أمرا أعظم، وواقعا أمر صرنا نعاينه ولا نقوى على أكثر من التأفف والاستعادة بالله منه، فما ذاك؟


إنه ببساطة الوضع الذي آلت إليه امتحانات البكالوريا بالمغرب، فنحن وإن كنا لا ننكر الأسباب والعوامل المشار إليها أعلاه ، بل ونراها أسبابا موضوعية، إلا أننا نكون كمن يخفي الغابة بشجرة، إن نحن اكتفينا بها وحدها في تبرير التدني الذي آلت إليه شهادة الباكالوريا في بلادنا، وبقية الشواهد الأخرى، مادامت هذه من تلك. [ نشير إلى أننا لا نعمم، بل نرصد الوضع الذي استحوذ على المشهد، دون أن ننكر أن هناك طلبة يجدون ويجتهدون ويصنعون نجاحهم]. لا ينبغي، رغم ذلك، أن يفوتنا أن هذا التدني ما هو إلا مؤشر على أزمة بنيوية تطال قيم المجتمع ككل، لكن قبل أن نتعرف على هذا الوضع لنتفحص العنوان قليلا:
لماذا هذا التمييز في العنوان بين القيمة والثمن ونحن ألفنا أن نستعملهما كمترادفين، هل ثمة اختلاف بينهما بالحجم الذي يشي به عنوان المقال؟!
يشير المرحوم الجابري إلى الفروقات الموجودة بين الكلمتين قائلا:"القيمة ما قوم به مقوم. والثمن قد يكون مساويا للقيمة وقد يكون زائدا عليه وقد يكون ناقصا. وإذن فثمن الشيء يحدده البائع والمشتري، وهو موضوع للمزايدة، ويتحكم فيه قانون العرض والطلب، وقد لا يعكس القيمة الحقيقية للشيء. أما القيمة فهي المساوي الحقيقي للشيء، ويحددها أهل السوق. ومن هنا يمكن القول: الثمن فردي أما القيمة فهي اجتماعية (العقل الأخلاقي العربي ط 1 2001 ص 54)". إذا نحن قمنا بنقلة للقيم من المجال الاقتصادي إلى المجال الأخلاقي سنجد أن شهادة البكالوريا بالمغرب انتقلت من كونها قيمة ثابتة محددة بشكل مسبق من قبل أهل السوق(الدولة وبشكل أخص الوزارة الوصية) وكما لا يخفى، أهل السوق يدافعون بما أوتوا من فنون الصنعة عن قيمة منتوجاتهم، إلى منتوج أو سلعة (شهادة) لها ثمن قد يزيد أو يقل بحسب قانون العرض والطلب. لنوضح أكثر مضمون هذا القول، ولنضرب لذلك مثلا بسيطا يعكس واقع الحال؛ إن إطلالة بسيطة على كشوف نقط المراقبة المستمرة الخاصة بالتلاميذ المرشحين لاجتياز امتحانات البكالوريا، تكشف بجلاء عن عمق الهوة بين القيمة الحقيقية لمستوى التلميذ والنقطة التي تحصل عليها أو بالأحرى التي منحت له. فالمفروض أن القيمة الحقيقية لمستوى التلميذ منوطة بالأستاذ على اعتبار انه هو من يلازم هذا التلميذ على مدار السنة و هو من يقوى على معرفة مستواه الفعلي ولو نسبيا. نعم ذلك ما كان، و لكنه للأسف لم يعد، إذ أصبحت هذه القيمة تعير بثمن، قد يزيد وقٌد ينقص بقدر شطارة التلميذ أو من يقومون مقامه، فمرحى بالتفاوض الذي يبدأ أولا بأنواع وأشكال من الأخذ والرد والجدال بين الأستاذ والتلميذ وقد تتدخل أطراف أخرى، في صورة تذكرنا بالجدال الذي يدور بين البائع والمشتري، فهي إما توسلات ونحيب وأصناف من الدعاء، وإما تعلل بنقط الامتحان الجهوي، الذي هو قصة أخرى، وإما استنجاد بواسطة لها تأثير من نوع معين على الأستاذ، أو، وهذه صورة أخرى لتحصيل النقطة، ترهيب وتهديد، توعد ووعيد، ناهيك عن الكرامات التي يظفر بها من يؤدون ثمن الساعات الاضافية. وكل هذا دون الحديث طبعا عن الطرق والسبل التي يتحصل بها التلميذ على نقطته الأصلية (فروض المراقبة المستمرة) قبل بداية مسلسل التفاوض السابق الذكر. أما بعد كل هذا، وبعد أن يخرج التلميذ غانما من الجهاد الأصغر، فإنه يبدأ في عد العدة للجهاد الأكبر (الامتحان الوطني) وهنا يعمد إلى تطليق الأخلاق والقيم طلاقا لا رجعة فيه، ويتوسل بمقولة ميكيافيلي الشهيرة: الغاية تبرر الوسيلة، التي تجعل من الغش، في تحول عجيب، حقا يدافع عنه بقدر ما استطاع، فيبدأ الأساتذة المكلفون بحراسة التلاميذ في الامتحانات، في إمتاع أعينهم وصقل خبراتهم بما كانوا قبلا يعرفون بعضه ويجهلون معظمه، أو يجهلونه كلية؛ صنوف وأشكال من الغش في الامتحانات، لم تزدها التقنية إلا إبداعا و تفننا، ولم تزد أصحابها إلا تألقا في سماء الخداع والتحايل إلى درجة يبدو معها جيمس بوند(007) في حاجة إلى مزيد من التعلم.
إن المكتوين بنار التعليم ببلادنا ليدركون فحوى قولي ويعلمون أنني لا أبالغ فيما ذكرت بل لربما يرونني قد قصرت في التوصيف. ولكن ليس هذا ما أردت الخلوص إليه، فهذا بات مألوفا في مغربنا الحبيب، كما أنني على وعي تام بأن تلامذتنا ليسوا وحدهم من يتحملون وزر ما آلت إليه وضعية الامتحانات الاشهادية هذه، فالأمر كما أسلفت يرتبط بأزمة قيم مجتمعية، لا نستطيع أن نلقي فيها باللائمة على طرف بعينه أو على طرف دون آخر، بل للكل فيما يقع نصيب قد يقل وقد يكثر.لذلك نعتقد أن الخطورة الأعظم تتجلى في الانتقال بهذا النوع من القيم (التي استحوذ فيها الثمن على القيمة الحقيقية للشيء) من الفرد إلى المجتمع، إذ من المعلوم أن قيما كهذه تبدأ شخصية بناء على حاجة الشخص و ميولاته ورغباته ومنفعته، لتتحول شيئا فشيئا، وهنا الطامة الكبرى، فتعمم وتصبح ذات طابع اجتماعي، لتنتقل من المجال السيكولوجي إلى المجال الاجتماعي، فتصبح كما قال سارتر تعكس بنية المجتمع ككل. ولعمري هذا ما صرنا نلحظه في كل ثنايا مجتمعنا، فلا شيء ثبت على حاله وحافظ على قيمته، بل استشرى البيع والشراء في المناصب كما في الشواهد، في الأصوات كما في الذمم، وكيف لا والمجتمع يؤمن بأن الشيء الذي لا يباع ويشترى حرام. أخشى ما أخشاه أن نبقى سجناء ماضينا، نتغنى به في كل لحظة وحين ولسان حالنا يردد: ما كان بالإمكان أبدع مما كان، وهذا ما تكشف عنه شهادة البكالوريا في بلدنا حيث لم تعد تقبل في العديد من الجامعات الغربية بعدما كانت ذات قيمة تسمو بها عن أي ثمن!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق