الدولة الكاملة هي التي تنصت لهمس الضمير
هذه واحدة من الخلاصات التي انتهى إليها
العروي في فقرة من مؤلفه حول "مفهوم الدولة" وهو بصدد تحليل موقف الفيلسوف
إيريك فايل من مفهوم الدولة كما تَمثله هيغل في مؤلفه "فلسفة القانون".
ورغم أن العروي كان يتغيى الإمساك بمفهوم الدولة كمفهوم نظري خالص وليس الدولة
الزمنية، التي هي واحدة من تجسيدات هذا المفهوم، بما يعتريها من نقص، حتما هو طائلها مادام مجال
الواقع هو مجال تصارع الرذيلة والفضيلة، الخير والشر... إلا أنني سأحاول أن أتصدى،
بعجالة، لزاوية تتعلق بالدولة كواقعة استحوذت في الآونة الأخيرة، ولازالت، على جل
المشاهد؛ الإعلامية ،السياسية، الثقافية،
الفنية...الخ بل وباتت حديث الصغير والكبير لاسيما في ظل ما بات يصطلح عليه
بالربيع العربي، مهتديا في ذلك بالإشكالات التالية:
إلى أي حد يمكن أن نعتبر أن الدولة الحالية،
الدولة الواقعية (المغربية في حالتنا هذه)، تنصت لهمس ضمير أفرادها؟ ثم إلى أي حد
تعترف هذه الدولة بحرية الذات في أن تفعل ما تريد في انسجام تلقائي مع القانون
العام؟
في الدول التي تحيد عن مسارها الطبيعي(بالمعنى
الموضوعي لا المعياري) ينكشف، لامحالة، ذلك التباين الصارخ بين مجال تصرف الذوات وصلاحيات القانون العام، فيبدو أن في الأمر تناقضا مرده إلى عيب يطال حتما أحد طرفي
هذه المعادلة؛ فإما أن الفرد لم يستوعب أن الدولة كيان يضبط إيقاعه على مقتضيات الإرادة
الجماعية وليس الفردية، التي رغم ذلك ينالها من الأجر ثواب، حنينا منه (الفرد) إلى حالة الحرية المطلقة التي
سادت افتراضيا في حالة الطبيعة. وإما أن الدولة استبدادية ظالمة حادت عن قوانين
الطبيعة التي هي قوانين العقل.
يتفق معظمنا على أن الدولة التي يكثر فيها
اللغط وتكثر فيها الاحتجاجات والمطالبات، هي دولة تنطوي على سوء انسجام بين
الفئة الحاكمة والفئة المحكومة، إذ بصرف النظر عن مشروعية هذه الحركية الاجتماعية
من عدمها، لابد وأن هناك ضرورة لطرح سؤال لماذا؟
هذا الموقف ينطوي بالطبع على قناعة مفادها
أن الدولة الفاضلة هي التي تربي الفرد على الاستغناء عنها وتوجهه لخدمة ما هو
أسمى منها، وبالتالي لا تجد هناك تعارضا بين الطرفين (الدولة والفرد) ما دام
التكامل والانسجام هو السمة الطاغية على العلاقة التي تحكمهما، وما دام الاحترام
المتبادل هو الميسم الذي يسم تلكم العلاقة، بدل القهر والتسلط الذي يٌركع ويدل
طرفا هو الفرد في الغالب الأعم ويعلي من شأن الطرف الآخر.
لكن رب معترض يقول إن الدولة التي تستحق
فعلا أن تسمى دولة بالمعنى القوي للكلمة هي التي تحتمل التناقض وتتجاوزه، بل وتجعل منه وسيلة للحفاظ على الوحدة، فالتناقض والصراع يصبحان هنا مسألة صحية جدا
تعكس دينامية وحركية الأفراد (الشعب) من جهة وتفهُم الدولة من جهة ثانية، ثم إن
الدولة بالنهاية ليست كيانا ملائكيا مفارقا ومتعاليا عن عالم الدنس، بل هو تجسيد
واقعي لما في البشر من خير وشر، من سلبيات وإيجابيات، من عقل وغريزة. هذا أمر
مفهوم ويستوعبه الجميع، لكن ما لا يستوعب أحيانا هو كيف تتعنت الدولة بل وتصر
على سماع صوت الغريزة وتجاهل صوت العقل وإرضاء مطامع فئة وتغييب وتجاهل مطامح
أخرى، وبكلمة واحدة كيف لا تكلف الدولة نفسها عناء الإنصات لهمس ضمير شعبها، أو أنها
تجزم بأن هذا الهمس لا يعدو كونه زبدا سرعان ما سيذهب جفاء.
حقا لا يمكن للدولة أن تقترب من الكمال،
الذي لا يعني أكثر من مقبوليتها لدى الأفراد ورضاهم عنها، إلا إذا أنصتت لهمس
ضمير أفرادها وأدركت أنها دولة الجميع لا دولة فئة بعينها وإلا سيهمس هذا
الضمير، وهو حتما سيفعل، بعبارة فيختة الشهيرة :هل طلبت الدولة موافقة أي واحد
منا، كما كان واجب عليها؟ إذن لسنا مقيدين بأي قانون سوى قانون...) ومن يدري، ربما
هذه المرة قد يمكث هذا الهمس في الأرض ولن يذهب جفاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق