إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 13 يونيو 2015


الإذلال الرابع لكبرياء البشرية: أنا أستهلك.. إذن أنا موجود!!

لعلنا لا نفشي سرا إذا قلنا أن الإنسان ومنذ بداياته الأولى في الوجود، ظل يسعى إلى توسيع مجال نفوذه، وتوسيع نطاق استفادته من خيرات العالم، بل وصلت به طموحاته ومطامعه إلى البحث عن تسيد العالم والتحكم فيه وجعله، بكل ما حوى، في خدمته. وهي الدعوة التي رغم صمودها لزمن ليس باليسير خيل للإنسان معها أنه يقترب شيئا فشيئا من طي الكون بما رحب تحت إبطه، فإنه وجد نفسه يتعرض لانتكاسة تلو أخرى، انتكاسات عدًًدها رواد الفكر في ثلاث ونروم اللحظة إضافة رابعة لها، لا ندعي من خلالها سبق الاكتشاف بل فقط تكرار القول بطريقة مختلفة.لقد ظلت أشكال الفكر جميعها تؤمن خلال قرون عديدة بالإنسان كوعي وإرادة، وكذات خالقة للمعنى ومبدعة للدلالات ، إلى أن جاءت الكوبرنيكية بمنظور فلكي جديد، تلتها الداروينية بنظرة بيولوجية غير مألوفة ثم الفرويدية بمفاهيمها السيكولوجية غير المسبوقة، فكان أن مثلت إهانات لكبرياء ونرجسية الإنسان الذي توهم طيلة قرون من الزمن التعالي والسمو والسيادة. لنرصد في عجالة هذه الانتكاسات الثلاث:مع دوران الأرض، التي كانت تحسب ثابتة قبل مجيء كوبرنيك ، "وجد الإنسان نفسه ملقى به في السماء، مأخوذا في دوامة عمياء، أصابته بالدوار، وأفقدته موطئ قدم صلب، ونقطة ارتكاز ثابتة." فكانت بداية استصغار الذات من جهة، جراء اكتشاف حجم ضحالتها مقارنة برحابة العالم اللامتناهي في الكبر، ثم بداية موضعة هذه الذات في مكانها الطبيعي والبحث من ثمة عن نقطة ارتكاز أخرى أكثر متانة وأكثر صدقية من الحس الخادع، من جهة أخرى. هذه الضالة المفقودة سيجدها ديكارت في العقل، وفي قضيته الأولى بامتياز، الكوجيطو الذي سيفسح الطريق أمام كل وعي قائم على الحساب والتكميم. دون أن يمثل هذا المخرج الديكارتي لملمة لما تهشم من كبرياء الانسان، بل مجرد تموضع جديد يأخذ بعين الاعتبار المقومات الحقيقية للذات البشرية. الإذلال الثاني الذي ستتعرض له الأنا، سيكون على يد تشارلز داروين وكتابه (أصل الأنواع )، فقد ذهب العالم الانجليزي إلى أن أصل الكائنات العضوية ذات الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة. مسوغه في ذلك، وحسب ما يشير إليه قانون الانتقاء الطبيعي أن الأنواع التي استطاعت التكيف مع البيئة الطبيعية ومصارعة الكوارث المفاجئة، هي التي استطاعت أن تنمو وتتدرج في سلم الرقي في حين هلكت الأنواع التي لم تقو على ذلك. وبهذا جعل داروين من الإنسان، ليس مخلوقا متفردا كما كان اعتقاده بنفسه، بل مجرد تطور نوعي أرقى لفصيلة القردة. أما الإذلال الثالث فيتمثل فيما أتت به النظرية السيكولوجية الفرويدية، نسبة إلى المحلل النفسي النمساوي سيجموند فرويد، فقد كادت هذه النظرية أن تأتي على البقية الباقية من كرامة الإنسان واعتداده بنفسه، لولا أن تم تأجيل الحسم في ذلك إلى جولات أخرى. لقد اكتشف فرويد أن ما يتحكم في جماع شخصية الإنسان ليس هو جانبه الواعي، بل جانبه اللاواعي، أو ما يسمى باللاشعور، فالأنا محاط بقوى ثلاث هي أسياد قساة انتزعت منه السيادة وصيرت مهمته مقتصرة على إدارة الصراع بين دوافع الهو وممنوعات الأنا الأعلى وهو ما يؤدي إلى كبت الرغبات التي تشكل مضمون اللاشعور/اللاوعي. وبذلك يحرم الأنا حتى من تسيد بيته الذي يسكنه، فتنضاف هذه الانتكاسة إلى سالفتيها.كان هذا عن الانتكاسات الثلاث التي تعرضت لها الأنا البشرية على مدار التاريخ، فماذا عن الرابعة؟لقد عجلت هذه الانتكاسات التي طالت الكائن البشري بنهايته، وهي المسألة التي استحوذت على مفكري وفلاسفة القرن العشرين، فيما كان ولايزال يعرف بفكرة موت الإنسان، يقول فوكو في هذا الصدد في مؤلفه الكلمات والأشياء: بأن " التفكير لم يعد ممكنا في أيامنا هذه، إلا داخل الفراغ الذي يخلفه اختفاء الإنسان." قد يبدو تصورنا هذا قاتما، لكن واقع الحال يكشف بما لا يدع مجالا للشك بأن الإنسان المبادر، الحر، المتحكم في اختياراته، الواعي، العاقل (و ما الإنسان غير ذلك؟) بدأ في الانحسار، في ظل فضاء جديد، لم يعد التفكير فيه ممكنا، كما يقول فوكو، إلا في غياب الإنسان.منذ ما يزيد عن عقود ثلاثة، استبدل الإنسان كما تنبأت الماركسية بذلك في زمن سابق لكن في سياق مختلف، بعلاقة؛ علاقة الإنتاج التي طرفاها المنتوج من جهة والذات المستهلكة من جهة ثانية. فلنتأمل طبيعة هذه العلاقة:في هذا الزمن الذي صار فيه الإعلام قوة عظمى استحوذت على ماعداها، فقد الإنسان، دون وعي منه، ما فضل من حريته، وصار مستلبا، والاستلاب هو أشد أنواع الهوان والإذلال، يقول هربرت ماركيوز في كتابه " الإنسان ذو البعد الواحد " : " يصبح مفهوم الاستلاب إشكاليا عندما يتماهى الأفراد مع وجودهم المفروض عليهم، ويجدون فيه تحقيقا وتلبية. وهذا التماهي ليس وهما، وإنما هو واقع. ومع ذلك فإن هذا الواقع لا يعدو هو نفسه أن يكون مرحلة أكثر تقدما من الاستلاب. لقد أصبح موضوعيا تماما، وباتت الذات المستلبة مُستوعبة في وجودها المستلب." يشهد الجميع في وقتنا الراهن انفجارا خطيرا للنسق الإعلامي، غير من واقع حال الانسان المعاصر، كونه لم يعد ذلك النسق المحايد الذي يقف الى جانب الشعوب بغية مناصرتها والذود عن حقوقها والتشهير بما يقع على مستوى دواليب الحكم، لقد تحول إلى جهاز مراقبة قوي ومرن في نفس الوقت، بما أنه يُستدمج في البنية الذهنية للأفراد دونما أية معارضة أو امتناع، في مفارقة تذكرنا بفكرة البانوبتيكون Le Panoptique لجيريمي بنتام Jeremy Bentham والتي قدم لها ميشيل فوكو Michel Foucault تحليلا رائعا ودقيقا في مؤلفه Surveiller et punir. فقد رأى فوكو في البانوبتيكون تقنية حديثة للملاحظة والمراقبة تتجاوز بكثير المدرسة والمعمل والمستشفى وحتى الثكنة، فهو رسم تخطيطي يجسد المجتمع الانضباطي والمنضبط في آن، صيغته العجيبة تتمثل في "أن ترى دون أن ترى" « voir sans être vu »، فالسجين بإدراكه أنه مراقب، يصبح يراقب نفسه بنفسه وهذا هو الهدف يقول فوكو: (…)l’essentiel c’est qu’il se sache surveillé فالسجين لا ينبغي أن يعلم أبدا ما إذا كان مراقبا اللحظة، لكن يجب أن يكون على يقين بأنه يمكن أن يكون كذلك على الدوام. وهي الصيغة التي رأى ج.دولوز G.Deleuze أنها لا تفي البانوبتيكون حقه، فهو لا يهدف فقط إلى المراقبة الأحادية الجانب بل أكثر من ذلك إنه وسيلة لفرض نمط سلوك واحد على عديد كبير من الناس ، وهنا أهميته، وهنا وظيفته الحقيقية التي تقترب إلى حد كبير من وظيفة الإعلام في مجتمعاتنا المعاصرة. بدوره صار الإشهار الأكثر أهمية، على اعتبار أنه تجاوز وظيفته التقليدية المتمثلة في الحث على الاستهلاك، لتناط به وظيفة أكثر أهمية وأكثر وقعا على نفوس الناس، تتمثل في الترويج لكون فكرة السعادة، غاية تواجدنا في هذا العالم، تؤول في نهاية المطاف إلى الاستهلاك. فالإشهار لا يهدف، كما يعتقد لأول وهلة، إلى تثمين منتوج بعينه، بقدر ما يهدف إلى إعلاء فعل الشراء في عموميته، أي نسق المنتوجات ككل، فتصبح بذلك السعادة مطابقة للاستهلاك، وتصبح حياة الأفراد، في مشهد بات علامة فارقة في عصرنا الراهن، مرهونة بقدراتهم الاستهلاكية، ما جعلنا أمام كوجيطو جديد مضمونه "أنا أستهلك إذن أنا موجود" Je dépense, donc Je suis.رهانه أو بالأحرى رهان القيمين عليه، دفع الناس إلى حب ما نجعلهم يحبونهم، أي ما نرغمهم، عبر الإشهار وطرق صنع الإجماع، على حبه. بالفعل استطاع الخطاب الإعلامي، أن يشدد الخناق على المستهلكين، بأن تعالى على خطاب الحقيقة والخطأ، مبتدعا لنفسه مجالا آخر لم يجد بودريار تسمية تعكس وصفه فسماه عالم فوق - واقعي، يترابط فيه الواقعي بالافتراضي، ينتصر فيه الافتراضي على الواقعي بتقديم نفسه كواقع أكثر واقعية من الواقع نفسه. كونه "عالم دون مقاومة، عالم مرن، طيع، سلس، عملي و مترابط بالصدفة، وباختصار هو عالم غير مادي". فصرنا، والحالة هذه، نعيش في عالم يعرف زخما في المعلومات و بشكل عكسي ندرة في المعنى. دون أن يذهب بنا الاعتقاد إلى انه لا توجد صلة بين الاثنين، فقد اعتبر بودريار Baudrillard أن هناك صلة وثيقة بين الاثنين، تتجلى في كون الخبر أو المعلومة دورها تدمير و قتل المعنى وقتل الدلالة، فالخبر يمحي كل شكل forme ويفجر المعنى، وبتفكيكه للمعنى يعمل أيضا على تفكيك المجتمع وهدمه. بهذا يصبح الإنسان مجرد أرجوزة مشدودة إلى خيوط عديدة يمسك الإعلام، بشتى صنوفه، بأغلبها، فيؤدي إلى اختفائه عبر إغراقه في خضم الأشياء المنتجة، ولا يصبح يعرف، في ظل لانهائية رغباته، أيها موضوع رغبته الحقيقية، فيختلط لديه الواقعي بالاستيهامي وهذا هو مبتغى القيمين على الاشهار. يقول سعيد بنكراد بهذا الخصوص فيما يسميه بالاشهار الايحائي أنه" لا يستهدف المادة المراد إشهارها بصورة مباشرة، بقدر ما يتوجه نحو الرغبات الدفينة التي لا تصلها اللغة المجردة، إنه يستدعي وضعا تتجسد من خلاله الاستيهامات، فهو يجعل من المنتوج قيمة حياتية، وليس مجرد مادة للاستهلاك.فالشيء كما يقول بودريار، يتجاوز الذات التي تفكر فيه كمصدر رغبة، وبدل أن يتحكم الإنسان في الشيء تصبح سعادة الذات مرهونة ومتعلقة بالشيء، وهو لا ينفر من شيء معين إلا ليسقط في حبال حاجات أخرى، أليس الإنسان بتعبير اسبينوزا كائن راغب؟ بلى و هذا ما عرف النظام الاقتصادي الليبرالي كيف يستغله أيما استغلال. فقد بلغ الامر بالإشهار، في الوقت الراهن وأمام الحجم الكبير للتنافسية، حدا لم يعد معه، يكتفي بتلبية حاجة من الحاجات، بل أصبح يقوم بخلقها و التنويع من مظاهرها، إذ لم يعد الذوق مسألة مرتبطة بتقدير الفرد ولا حتى بتقدير الجماعة كما كان الاعتقاد سائدا في الماضي، بل أصبح شأنا يصنع، صرنا نلحظ معه تنميطا للحياة الإنسانية من خلال تعميم نفس اللباس والمأكل وكل الأنشطة الإنسانية المرتبطة بالمتعة، وهو تعميم ساهمت في خلقه الشركات الاشهارية بنصيب كبير من خلال التنويع في أساليبها ووسائل عرضها لمنتجاتها. والمثير في الأمر أن المستهلك لا يحس بهذا التنميط بل يعتقد، على خلاف ذلك تماما، بأنه سيد قراراته و اختياراته. والسر في ذلك إتقان الخطاب الاشهاري لعملية التنقل بين حاجات المستهلكين ورغباتهم، يقول بنكراد:" الحاجة تستدعي الإشباع، أما الرغبة فتقود إلى إنتاج حالات الاستيهام، وهذا الترابط بين الحاجات وبين الرغبات المتولدة عنها هو الممر السري الذي يقود إلى فهم المضمون الحقيقي للإستراتيجية الاشهارية. هكذا يفهم بأن شهرة منتوج معين وتهافت الناس عليه بغية اقتنائه ليست ناتجة بالضرورة عن جودته، إذ للعرض دور أساسي في ذلك، كونه يتوجه صوب المناطق الانفعالية التي يستطيع استنفارها. فهل من استلاب أقوى من هذا؟!!جماع القول، إن الفرد لم يعد يقوى على ممارسة حرية ما، سواء كانت تعبيرا أو سلوكا، أو اختيارا...الخ إلا وفق ما هو مرسوم له سلفا، فقد تحول بفعل هذه الايديولوجيا الجديدة، "إيديولوجيا الاختراق" كما سماها المرحوم عابد الجابري، التي من مهامها إثارة الادراك واستفزاز الانفعال وحجب العقل، الى فردية مستسلمة أُخضعت نفسه، كما أخضع بدنه بأحاسيسه وانفعالاته واشتهاءاته. الامر الذي يدفعنا الى القول بان الانسان كما نتصوره وكما أحببناه فينا وفي غيرنا، الانسان كذات وعقل وكإرادة وقدرة على الابداع والخلق وأخد المبادرة، لم يعد له وجود الا في أذهاننا، أو لنقل بصورة أقل تشاؤما، هو على وشك الاختفاء والتلاشي، فهو لم يخرج من الانتكاسات الثلاث الكبرى الا ليسقط في انتكاسة رابعة تختلف نوعا عن سابقاتها، لكنها بدون شك أشد وقعا و أكبر أثرا، وكيف لا وقد أدت الى إفراز شعور قاتم بضآلة الانسان الذي هو سائر حتما نحو ...الأفول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق