من رسائل الرافعي
تأليف : محمود أبو ريّة
ط.دار المعارف بمصر، ط.2، ص:26
من
رسائل الرافعي إلى أبي ريّة :
أيّها
الفاضلُ
إنّ
أعمالي كثيرةٌ في هذه الأيام ِ ولذا أراني أبطأتُ في الردِ على كتابكَ ، وإنّي
مجيبك عنهُ بإيجازٍ ، لأنّ ما سألتَ عنهُ يصعبُ التبسّطُ فيهِ على وجهٍ واحدٍ .
إنّكَ
تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ - ، فينبغي أن تكونَ لكَ مواهبُ وراثية ٌ
تؤديكَ إلى هذه الغايةِ ، وهي مالا يُعرفُ إلا بعدَ أن تشتغلَ بالتحصيل ِ زمناً ،
فإن ظهرَ عليكَ أثرها وإلا كنتَ أديباً كسائرِ الأدباءِ ، الذينَ يستعيضونَ من
الموهبةِ بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ .
فإذا
رغبتَ في أقربِ الطرق ِ إلى ذلكَ فاجتهدْ أن تكونَ مفكّراً منتقداً ، وعليكَ
بقراءةِ كتبِ المعاني قبلَ كتبِ الألفاظِ ، وادرسْ ما تصلُ إليهِ يدكَ من كتبِ
الاجتماعِ والفلسفةِ الأدبيةِ في لغةٍ أوربيةٍ أو فيما عرّبَ منها .
واصرف
همّكَ من كتبِ الأدبِ العربي – بادىء ذي بدءٍ – إلى كتابِ كليلةَ ودمنة والأغاني
ورسائلَ الجاحظِ وكتابَ الحيوان ِ والبيانِ والتبيين لهُ ، وتفقّه في البلاغةِ
بكتابِ " المثل ِ السائرِ " ، وهذا الكتابُ وحدهُ يكفلَ لكَ ملكةً حسنة
ً في الانتقادِ الأدبي ، وقد كنتُ شديدَ الولعُ بهِ .
ثمّ
عليكَ بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ كتابِ " نُجعةِ الرائدِ " لليازجي
والألفاظِ الكتابيّةِ للهمذانيّ ، وبالمطالعةِ في كتابِ " يتيمةِ الدهرِ
" للثعالبيّ والعقدِ الفريدِ لابن عبدربه وكتابِ " زهرِ الآدابِ "
الذي بهامشهِ .
وأشيرُ
عليكَ بمجلّتينِ تُعنى بقراءتهما كل العنايةِ " المقتطف والبيان " ،
وحسبكَ " الجريدةُ " من الصحفِ اليومية و " الصاعقة " من الأسبوعية
، ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ ، ولا تنسَ شرحَ ديوان ِ
الحماسةِ وكتابَ نهجِ البلاغةِ فاحفظْ منهما كثيراً .
ورأسُ
هذا الأمر ِ بل سرّ النجاح ِ فيهِ أن تكونَ صبوراً ، وأن تعرفَ أن ما يستطيعهُ
الرجلُ لا يستطيعهُ الطفلُ إلا متى صارَ رجلاً ، وبعبارةٍ صريحةٍ إلا من انتظرَ
سنواتٍ كثيرة .
فإن
دأبتَ في القراءةِ والبحثِ ، وأهملتَ أمرَ الزمن ِ – طالَ أو قصرَ – انتهى بكَ
الزمنُ إلى يوم ٍ يكونُ تاريخاً لمجدكَ ، وثواباً لجدّكَ .
والسلامُ
عليكَ ورحمة ُ اللهِ .
وقال :
الإنشاء لا تكون القوة فيه إلا عن تعب
طويل في الدرس وممارسة الكتابة والتقلب في مناحيها والبصر بأوضاع اللغة وهذا عمل
كان المرحوم الشيخ " محمد عبده " يقدر أنه لا يتم للإنسان في أقل من
عشرين سنة .
فالكاتب
لا يبلغ أن يكون كاتبا حتى يبقى هذا العمر في الدرس وطلب الكتابة .
فإذا
أوصيتك فإني أوصيك أن تكثر من قراءة القرآن ومراجعة " الكشاف " (تفسير
الزمخشري).
ثم
إدمان النظر في كتاب من كتب الحديث " كالبخاري " أو غيره ، ثم قطع النفس
في قراءة آثار " ابن المقفع " " كليلة ودمنة " "
واليتيمة " والأدب الصغير " ، ثم رسائل الجاحظ ، وكتاب " البخلاء
" ثم " نهج البلاغة " ثم إطالة النظر في كتاب " الصناعتين
" و" المثل السائر " لابن الأثير ، ثم الاكثار من مراجعة "
أساس البلاغة " للزمخشري .
فإن
نالت يدك مع ذلك كتاب " الأغاني " أو أجزاء منه و" العقد الفريد
" ، و"تاريخ الطبري " فقد تمّت لك كتب الأسلوب البليغ .
اقرأ
القطعة من الكلام مرارا كثيرة ، ثم تدبرها ، وقلب تراكيبها ، ثم احذف منها عبارة
أو كلمة ، وضع ما يسد سدها ولا يقصر عنها ، واجتهد في ذلك ، فإن استقام لك الأمر
فترق إلى درجة أخرى ، وهي أن تعارض القطعة نفسها بقطعة تكتبها في معناها ، وبمثل
أسلوبها ، فإن جاءت قطعتك ضعيفة فخذ في غيرها ، ثم غيرها ، حتى تأتي قريبا من
الأصل أو مثله .
اجعل
لك كل يوم درسا أو درسين على هذا النحو فتقرأ أولا في كتاب بليغ نحو نصف ساعة ، ثم
تختار قطعة منه فتقرأها حتى تقتلها قراءة ، ثم تأخذ في معارضتها على الوجه الذي
تقدم – تغيير العبارة أولا ثم معارضة القطعة كلها ثانيا – واقطع سائر اليوم في
القراءة والمراجعة .
ومتى
شعرت بالتعب فدع القراءة أو العمل ، حتى تستجم ثم ارجع إلى عملك ولا تهمل جانب
الفكر والتصوير وحسن التخييل .
هذه
هي الطريقة ولا أرى لك خيرا منها ، وإذا رزقت التوفيق فربما بلغت مبلغا في سنة
واحدة .
وقال مخاطبًا أبا ريّة ، حاثًا له
مشجّعا :
إنه ليس بين الشيخ أبي رية الذي نعرفه
والشيخ أبي رية الكاتب المشهور إلا سنتان من عمر الجد والتعب .
وما أرى أحدا يفلح في الكتابة
والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكما نافذا بالأشغال الشاقة الأدبية ، كما تحكم
المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية ، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثا في
سجن " الجاحظ " أو " ابن المقفع " أو غيرهما ، وهبها كانت في
أبي زعبل أو طرة.
(نقلا عن الدكتور عبد الرحمان بودرع)
(نقلا عن الدكتور عبد الرحمان بودرع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق